البينيّة السردية في رواية: ابن آني.. دراسة ذرائعية - د. عبير خالد يحيى

عين نيوز

 0
البينيّة السردية في رواية: ابن آني.. دراسة ذرائعية - د. عبير خالد يحيى
بدون وصف

 

أولا – المقدمة: وأنا أقرأ رواية (ابن آني) للمخرج السينمائي/ أحمد فؤاد درويش/ المصنّف المخرج رقم 15 في تاريخ إبداع الأفلام الوثائقية في العالم كله على مدى المئة عام الأخيرة، كنت أتساءل- كناقدة- إلى أي مدى تؤثر مهنة الكاتب (career) على كتاباته أو على أدبيّته؟ هذا التساؤل قادني إلى اعتماد مؤشر أستطيع أن أحكم بناءً عليه على هذه الرواية، و من غير أن أتجاوز مقاييس المنهج الذرائعي الذي أنتهجه في دراساتي النقدية، فالكاتب له ما له وعليه ما عليه...

 

لقد سيطرت مهنة الكاتب كمخرج سينمائي -لأفلام وثائقية تحديدًا- على عمله الأدبي هذا، والفيلم الوثائقي هو فيلم يعرض فيه مخرجه حقيقة علمية أو تاريخية أو سياسية، بصورة حيادية ودون إبداء الرأي فيها. وهو يحوي سردًا تاريخيًّا أو سياسيًّا لمواقف سجّلت سابقًا، أو لنكبات أو حروب حصلت في الماضي أو الحاضر القريب.

 

وقد أخذ الكاتب في عمله هذا روح الفيلم الوثائقي، المشاهد، مستخدمًا في رسمها الحوار، وليس السرد، مضيفًا إليها المتخيّل السردي، ليخرج عن بحتية الحقيقة التاريخية أو الواقعية، وليدخل بذات الوقت في عمق الأدب، على اعتبار أن الخيال والرمز والجمال هي الانزياحات التي تصنع الأدب.

 

السيرة الذاتية للكاتب:

 

- ولد في قصر نديم بحدائق القبة بالقاهرة عام 1947.

 

- تخرج من أكاديمية الفنون (السينما) عام 1967، ومن جامعة القاهرة كلية التجارة عام 1968.

 

- التحق بالمؤسسة المصرية العامة للسينما في يناير 1968وعمل في تخطيط الانتاج السينمائي للدولة برئاسة نجيب محفوظ وعبد الرازق حسن.

 

- أسس شركة فرعون فيلم للإنتاج السينمائي الوثائقي والروائي.

 

- في يوليو 1980، صدر الكتاب الأكاديمي لجامعة جنوب كاليفورنياUcla، مصنفًا درويش المخرج رقم 15 في تاريخ إبداع الأفلام الوثائقية في العالم كله على مدى المئة عام الأخيرة .

 

- نال العديد من جوائز المهرجانات العالمية، ممثلًا للدولة المصرية أو عن فرعون فيلم، أو عن مركز أفلام المعرفة الذي أسسه عام 2007.

 

- في 30 مايو 2018، احتفلت دار الأوبرا المصرية بتكريم أحمد فؤاد درويش، خمسون عامًا من الإبداع بالسينما والأدب والموسيقى.

 

- رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنوير من 2006إلى 2018.

 

المستويات النقدية الذرائعية

 

أولًا- المستوى الأخلاقي M-ral Level

 

1- البؤرة الفكرية الثابتة أو التبئير الفكري Static C-re:

 

هي مدخل أخلاقي تجعله الذرائعية بؤرة ومركزًا ثابتًا لا ينزاح، ومنه ننطلق إلى باقي المستويات، أجد فيه - كناقدة ذرائعية- نوع العمل الأدبي ومحتوياته الأخلاقية الثابتة، هذه البؤرة تحدّدها الذرائعية باستراتيجية الكاتب الأخلاقية العامة التي تتطابق مع المسيرة الإنسانية، بالإضافة إلى الأفكار العامة ونوع الرؤى التي يطرحها الكاتب، والتي ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع، وخالية من جميع الأفكار السلبية المستوردة المنافية للأخلاق، وبما أن الحياة تشكّل المشرب الرئيسي للأحداث السردية، وبنفس المشرب؛ الحياة مجموعة من الأيديولوجيات نعيشها شئنا أم أبينا، ولا بد أن لنا حصة منها، وهي تمرّ فينا قبل أن نمرّ فيها، فنكون فيها مساهمين ومراقبين في نفس الوقت، سياسيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا، رومانسيًّا وإنسانيًّا، كان لابد للكاتب من أن ينطلق من ذاته وهو يكتب عمله الأدبي، ولاسيما عمله الأدبي الأول.

 

وطبقًا للمبدأ الذرائعي السردي، والذي ينصّب الأدبَ عرّابًا للمجتمع، والنقدَ عرّابًا للأدب، كان لا بدّ أن يكون هذا المبدأ هو حجر الأساس في الفن السردي، ولهذا السبب تختلف مستويات الأدباء باختلاف قوة الاستراتيجية الشخصية لدى الأديب، أي كلما كان مبدأه الاستراتيجي قويًّا كان متقدّمًا في أدائه السردي، ومسخِّرًا لأدواته التكنيكية بصورة خلّاقة.

 

ومن تلك البؤرة الفكرية الثابتة التي تحوي استراتيجية الكاتب، وتفاعل الناقد والمتلقي معها، ومن خلال المبدأ السردي الذرائعي سابق الذكر، نبدأ دراستنا المستقطعة لهذا العمل:

 

الكاتب مخرج كبير مصنّف عالميًّا، ينظر للأدب بمنظار مرئي، وتحت سلطة هذا المنظار تسقط الصورة الأدبية، وتحل محلها الصورة المرئية المتمثلة بالشخصيات، والتفاعل بين تلك الشخصيات يكون مركزه حواري، وهذا يقود إلى اختفاء الأسلوب وجماليته الانزياحية، وتعويضه بتقريرية الحوار، يقودنا ذلك علميًّا نحو التأثير السيكولوجي على استراتيجية الكاتب في الكتابة، لذلك جاء العمل سيناريوهيًّا أكثر منه سردًا انزياحيًّا روائيًّا، بذلك حلّ الأسلوب المرئي بديلًا للأسلوب الجمالي اللغوي، وهذا التلاعب بالجمال الفني يعطي الكاتب خطوات متقدمة في خلق جنس جديد يجمع بين الفن والأدب.

 

عوّض في الحوار بشكل مستقل عن الأسلوب جماليًّا، لكون الحوار عنصرًا مستقلًّا من عناصر البناء الجمالي، والأسلوب أيضًا عنصر آخر من عناصر البناء الجمالي مستقل أيضًا، يخرج عنه إلى البناء الفني عندما يكون منوطًا به سرد الأحداث- كما وجدنا في هذا العمل- حمولة إضافية عن وظائفه في إبطاء إيقاع السرد أو تسريعه، بالإضافة إلى تحميله المادة المعلوماتية، هذا يعني أن القضايا الإنسانية التي يتناولها الكاتب في الأسلوب عادة، عوّض عنها كاتبنا حين تناولها في الحوار، وهنا سنرى تميّزًا فوق الاعتيادي لهذا الكاتب في الحوار تحديدًا، لإسقاطه الصورة المهنية على أسلوبه في الحوار، هنا لا يوجد أسلوب أدبي، ولا حتى أسلوب تقريري، فهو لم يسرد سردًا صحفيًّا حتى، وإنما سرد عبر الحوار، ما أنتج رواية قد تكون صنفًا جديدًا يقع بين السيناريو والرواية، أو بين المسرحية والرواية، لأنه أسقط عنصرًا جماليًّا مهمًّا وهو الأسلوب، وأحلّ محلّه عنصرًا مهمًّا آخر وهو الحوار، ولم يختل العمل....

 

إذًا، يمكن أن تُكتب الرواية عن طريق الحوار فقط، وهذا هو التجديد والإبتكار، ويسمى بالحوارية السردية، ويمكن أن يكتب بالأسلوب فقط – بعد تجريده- ويسمى حينها بالمقطوعة السردية، وهذه أجناس بينيّة جديدة اكتشفت حديثًا في العام 2016 بالنظرية البينية الذرائعية، و تمّ إقرارها ووضع حدودها الجنسية وتوثيقها في المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية المعنون ب/ الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية/ حيث تم إقرار المقطوعة السردية ابتكارًا للمنظر عبد الرزاق عوده الغالبي بتعريفه:

 

" مقطوعة متماسكة سرديًّا من حيث تعشيق المفردات بشكل جمالي يبرز صورًا متلاحقة"[1].

 

بينما كان لي أنا دكتورعبير خالد يحيي شرف تجنيس ووضع الحدود التجنيسية للحوارية السردية على أنها:

 

"جنس حواري سلوكي من محفز واستجابة، وسؤال وجواب، بشكل محادثة مسرحية بحوار ظاهري سردي، يحمل بين طياته التشابك السردي للقص القصير، وعقدة التشابك والانفراج، بذلك يعطينا جنسًا بينيًّا بين المسرحية والقص القصير، بشكل حوار مستمر حتى تقرّه النهاية المشتركة"[2] .

 

فإذن، هناك قصة قصيرة حوارية تسمى الحوارية السردية- حوارية قصيرة- وهذا الكاتب ابتكر رواية حوارية- حوارية طويلة-، وبذلك يكون كاتبنا قد سلك سلوكًا بينيًّا ذرائعيًّا (جنس بيني روائي) يُصنّف تحت اسم (رواية حوارية).

 

2- الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة:Theme -r M-ral Backgr-und:

 

ولأن الأدب نتاج إنساني منوط به الارتقاء والتطهر من أدران الخطأ، اعتبرت الذرائعية الأدب ظهيرًا للمجتمع، لذلك لم تعتبر أدبًا النصَّ الذي خلا من الخلفية الأخلاقية المجتمعية، ويندرج تحت ذلك النصوص التي تحرّض على العنف والكراهية والعنصرية والطائفية والمذهبية والفئوية، والنصوص التي تنشر الانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري والمجتمعي، والنصوص التي تنتهك الأعراف وتجيز أو تشيع الجريمة ومؤهباتها، فالذرائعية تتبنى مبدأ التعويض الأخلاقي d-ctrine -f c-mpensati-n وملاحقة الجريمة، والحفاظ على المنظومة الأخلاقية العالمية، وحريات الناس وحقوقهم وواجباتهم، وتشجّع الأدب الرسالي التربوي الذي ينادي بالسلم والوئام، والأمن والأمان بين الناس، وفي هذا العمل، لم يخرج الكاتب عن هذه المنظومة رغم أن طرحها يقوم على تمرّد البطل على عقيدة قومه، وسخريته من الكهنة، ولكنه لم يخرج به باتجاه الإساءة الفعلية للمجتمع التي قد تؤدي إلى تقويض أركانه:

 

خونسوحتب متمرد في قومه على معتقدهم الديني، هم يؤمنون بآلهة كثيرة ويعبدونها على شريعة آمون رع منذ آلاف السنين، أما هو فتروق له الآلهة المتعددة لا للعبادة وإنما بهدف تحديث الوظائف المنوط بها لكل إله، ودور كل إله في المستقبل، هم يبحثون عن الخلود بعد الموت، وهو يبحث عن العدالة واللذة في الحياة الدنيا، لذلك رأيناه مارس لذته الجنسية مع الكثيرات، وعندما مات، ولشدة شوقه إلى اللقاء مع أبيه آني في اليارو(الفردوس)، كذب على الإله الأكبر أوزير وقال أنه لم يخن زوجته، ثم استيقظ ضميره بعد أن دخل الجنة ولقي أبيه (آني)، ليعود أدراجه ثانية إلى محكمة (ماعت)، ويعترف بخطيئته في الدنيا، بإشارة من الكاتب باتجاه يقظة الضمير الإنساني، وانتصار الصدق على الكذب، والمكافأة بالجنة ثانية، برسالة أن الصدق منجاةٌ دومًا، ودعوة منه (الكاتب) للتسامح على لسان أوزير: أن يتسامح البشر مع البشر، طالما أن الآلهة قد سامحت البشر.

 

ثانيًا – المستوى البصري External Level::

 

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.

 

3- المدخل البصريExternal entrance:

 

- العتبة العتبة البصرية الأولى الغلاف:

 

في نصنا الموازي هذا، يبدو الغلاف ملونًا باللون (الفستقي) الفاتح الهادئ و المبهج، الغلاف الأمامي مقسوم إلى نصفين، النصف السفلي يعرض لجزء من البردية الشهيرة (بردية آني) والتي سنأتي بالكلام عنها بالتفصيل لاحقًا، بألوانها (البيج) والأصفر والأبيض والزيتي، كُتب تحتها / جائزةالدولة للإبداع(التفرغ) وزارة الثقافة عام 2008/، النصف العلوي اسم الكاتب (أحمد فؤاد درويش) باللون الأسود، يليه اسم الرواية / ابن آني/ باللون الزيتي والبنط الكبير، وتجنيس العمل (رواية) باللون الأسود، يحتويه حرف الياء الكبير من كلمة آني.

 

الغلاف الخلفي:

 

عنوان الرواية بالزاوية اليمنى من الغلاف، والنص تعريف ببردية آني:

 

" تعتبر بردية آني- عامة-، ومشاهد محاكمة الروح بها- خاصة-، من أكثر برديات الرؤية الفلسفية والخيال التشكيلي والأدبي التي أبدعها المصري القديم.

 

ثم كان هناك تعريف ببطلي الرواية(آني وخونسو)، إضافة إلى رأي شخصي - أظنه من دار النشر- أنه لم يسبق لرواية أن احتوت كمًّا هائلًا من الأحاسيس والمشاعر، وعمقًا فلسفيًّا، ثم رأي بأن رواية ابن آني عبارة عن أحداث دارت عام 1350 قبل الميلاد، وكأنها تدور في العام 2018بعد الميلاد.

 

الحقيقة أن الكلام في الخلفية مكتوب بأسلوب ركيك فيه أخطاء كتابية كثيرة لم يرق لي، وكنت أتمنى أن تكون فقرة نقدية موضوعية لأحد النقاد الذين تناولوا العمل، أو فقرة من فقرات الرواية.

 

بالمجمل كان الغلاف بألوانه والصورة الأمامية مناسبة جدًّا لموضوع الرواية، وعتبة أمامية من روح العمل.

 

- العتبة البصرية الثانية هي العنوان: ابن آني

 

عنوان قصير وجاذب ومشوّق، يأخذنا إلى بطل رواية (خونسو) المجهول، بدلالة المعلوم (آني)، خونسو ابن آني.

 

ونحن العرب - بشكل عام – نعتبر أن الماضي يتجاوز الحاضر نحو المستقبل، وقد كان العرب القدامى من الجاهلية قبلها يسمون أبناءهم ب (ابن أبيه) ويُذكر اسم الأب، فإن لم يُعرف أبوه شرعًا، يسمونه (ابن أبيه) تضمينًا! وكذلك اهتم الغرب بهذه القضية، ويظهر ذلك جليًّا في أسمائهم التي يقدّمون فيها اسم الجدّ أولًا، ثمّ الأب ثم الاسم، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن الماضي أهم من الحاضر، ويتجاوزه نحو المستقبل.

 

ما هو رد فعلك؟

أعجبني أعجبني 0
لم يعجبني لم يعجبني 0
أحببته أحببته 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
رائع رائع 0